فخر الدين الرازي
325
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وإنكار الحشر وإنكار قدرة اللّه تعالى على الإحياء بعد الإماتة ، وعلى غيره من الحوادث . المسألة الثالثة : فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يحتمل وجوها ثلاثة أحدها : الجمع بين الأمرين في الدنيا أي هم في الدنيا في ضلال وجنون لا يعقلون ولا يهتدون ، وعلى هذا فقوله : يُسْحَبُونَ بيان حالهم في تلك الصورة وهو أقرب ثانيها : الجمع في الآخرة أي هم في ضلال الآخرة وسعر أيضا . أما السعر فكونهم فيها ظاهر ، وأما الضلال فلا يجدون إلى مقصدهم أو إلى ما يصلح مقصدا وهم متحيرون سبيلا ، فإن قيل : الصحيح هو الوجه الأخير لا غير لأن قوله تعالى : يَوْمَ يُسْحَبُونَ ظرف القول أي يوم يسحبون يقال لهم ذوقوا ، وسنبين ذلك فنقول : يَوْمَ يُسْحَبُونَ يحتمل أن يكون منصوبا بعامل مذكور أو مفهوم غير مذكور ، والاحتمال الأول له وجهان أحدهما : العامل سابق وهو معنى كائن ومستقر غير أن ذلك صار نسيا منسيا ثانيهما : العامل متأخر وهو قوله : ذُوقُوا تقديره : ذوقوا مس سقر يوم يسحب المجرمون ، والخطاب حينئذ مع من خوطب بقوله : أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ [ القمر : 43 ] والاحتمال الثالث « 1 » : أن المفهوم هو أن يقال لهم : يوم يسحبون ذوقوا ، وهذا هو المشهور ، وقوله تعالى : ذُوقُوا استعارة وفيه حكمة وهو أن الذوق من جملة الإدراكات فإن المذوق إذا لاقى اللسان يدرك أيضا حرارته وبرودته وخشونته وملاسته ، كما يدرك سائر أعضائه الحسية ويدرك أيضا طعمه ولا يدركه غير اللسان ، فإدراك اللسان أتم ، فإذا تأذى من نار تأذى بحرارته ومرارته إن كان الحار أو غيره لا يتأذى إلا بحرارته فإذن الذوق إدراك لمسي أتم من غيره في الملموسات فقال : ذُوقُوا إشارة إلى أن إدراكهم بالذوق أتم الإدراكات فيجتمع في العذاب شدته وإيلامه بطول مدته ودوامه ، ويكون المدرك له لا عذر له يشغله وإنما هو على أتم ما يكون من الإدراك فيحصل الألم العظيم . وقد ذكرنا أن على قول الأكثرين يقال لهم أو نقول مضمر . وقد ذكرنا أنه لا حاجة إلى الإضمار إذا كان الخطاب مع غير من قيل في حقهم : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ فإنه يصير كأنه قال : ذوقوا أيها المكذبون بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم مس سقر يوم يسحب المجرمون المتقدمون في النار . / ثم قال تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 49 ] إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) وفيه مسائل : الأولى : المشهور أن قوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ متعلق بما قبله كأنه قال : ذوقوا فإنا كل شيء خلقناه بقدر ، أي هو جزاء لمن أنكر ذلك ، وهو كقوله تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [ الدخان : 49 ] والظاهر أنه ابتداء كلام وتم الكلام عند قوله : ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [ القمر : 48 ] ثم ذكر بيان العذاب لأن عطف : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ [ القمر : 50 ] يدل على أن قوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ليس آخر الكلام . ويدل عليه قوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] وقد ذكر في الآية الأولى الخلق بقوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فيكون من اللائق أن يذكر الأمر فقال : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ وأما ما ذكر من الجدل فنقول النبي صلى اللّه عليه وسلم تمسك عليهم بقوله : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ إلى قوله : ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [ القمر : 47 ، 48 ] وتلا آية أخرى على قصد التلاوة ، ولم يقرأ الآية الأخيرة اكتفاء بعلم من علم الآية كما تقول في الاستدلالات : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ *
--> ( 1 ) في النسخة الأميرية والاحتمال الثاني وهو خطأ ظاهر وقد علق عليها بما لا طائل تحته .